ابراهيم بن عمر البقاعي
267
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
البعيد من محل المنادي كما يسمع القريب سواء ، وكان القرب ملزوما للسماع ، قال مصورا لذلك : مِنْ مَكانٍ هو صخرة بيت المقدس قَرِيبٍ أي يسمع الصوت من بعد كما يسمعه من قرب ، يكونون في البقاع سواء لا تفاوت بينهم أصلا . ولما عظم هذا المقام بما كساه من ثوب الإجمال أبدل منه إيضاحا وزيادة في التعظيم قوله : يَوْمَ يَسْمَعُونَ أي الذين ينادون الصَّيْحَةَ أي صيحة أصمتهم المستنفر لهم إلى بدر في الدنيا ، فكانت صيحة قاضية بصممهم عن جميع تصرفاتهم ، وصيحة النفخة الثانية في الصور في الآخرة فهما نفختا حشر إلى القضاء بين المحق والمبطل بِالْحَقِّ أي الأمر الثابت الذي كانوا يسمونه سحرا ، ويعدونه خيالا ، فيعلمون حينئذ أن الواقع قد يطابقه ، فكان حقا فإنه قد طابقه الواقع ، فكان الإخبار به صدقا . ولما عظمه سبحانه باجمال بعد إجمال ، إشارة إلى أن ما فيه من شديد الأهوال ، يطول شرحه بالمقال ، زاده تعظيما بما أنتجه الكلام فقال : ذلِكَ أي اليوم العظيم الذي يظهر به المجد ويعلو بضعفاء المؤمنين المجد يَوْمُ الْخُرُوجِ أي الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من بيوتهم في الدنيا إلى مصارعهم ببدر ، ومن قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى مقامعهم في النار . ولما بنيت دعائم القدرة ودقت بشائر النصرة وختم بما يصدق على البعث الذي هو الإحياء الأعظم دالّا عليه بما هو مشاهد من أفعاله ، وأكده لإنكارهم البعث ، فقال : إِنَّا أي بما لنا من العظمة نَحْنُ خاصة نُحْيِي وَنُمِيتُ تجدد ذلك شيئا بعد شيء سنة مستقرة وعادة مستمرة كما تشاهدونه ، فقد كان منا بالإحياء الأول البدء وَإِلَيْنَا خاصا بالإماتة ثم الإحياء الْمَصِيرُ * أي الصيرورة ومكانها وزمانها بأن نحيي جميع من أمتناه يوم البعث ونحشرهم إلى محل الفصل ، فنحكم بينهم وليس المعاد بأصعب من المبدأ ، فمن أقر به وأنكر البعث كان معاندا أو مجنونا قطعا . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 44 إلى 45 ] يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ( 44 ) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ ( 45 ) ولما تحقق بذلك أمر البعث غاية التحقق ، صور خروجهم فيه فقال معلقا بما ختم به الابتداء مما قبله زيادة في تفخيمه وتعظيمه وتبجيله : يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ وعبر بفعل المطاوعة لاقتضاء الحال له ، وحذف تاء المطاوعة إشارة إلى سهولة الفعل وسرعته عَنْهُمْ أي مجاوزة لهم بعد أن كانوا في بطنها فيخرجون منها أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء ، حال كونهم سِراعاً إلى إجابة مناديها ، وأشار إلى عظمه بقوله :